الشيخ عباس القمي
457
الكنى و الألقاب ( جامعة المدرسين )
« إذا تزوّج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سِداد من عَوَز » قال : وكان المأمون متّكئاً فاستوى جالساً وقال : يا نضر كيف قلت سداد ؟ قلت : لأنّ السَداد هاهنا لحن ، قال : أو تلحّنني ؟ قلت : إنّما لحن هشيم وكان لحّانة فتبع أمير المؤمنين لفظه قال : فما الفرق بينهما ؟ قلت : السَداد بالفتح القصد في الدين والسبيل ، والسداد بالكسر البلغة ، وكلّ ما سددت به شيئاً فهو سداد . فقال : أو تعرف العرب ذلك ؟ قلت : نعم هذا العَرْجى يقول : « أضاعوني وأيّ فتى . . . » البيت ، فقال المأمون : قبّح اللَّه من لا أدب له ، وأطرق مليّاً ثمّ قال : ما مالك يا نضر ؟ قلت : اريضة لي بمرو أتصابها وأتمزّزها - أي أشرب صبابتها وأتمضّض بشربها - قال : أفلا نفيدك مالًا معها ؟ قلت : إنّي إلى ذلك لمحتاج ، قال : فأخذ القرطاس وأنا لا أدري ما يكتب ، ثمّ قال : كيف تقول إذا أمرت أن يترب ؟ قلت : أتربه ، قال : فهو ما ذا ؟ قلت : مُترَب ، قال : فمن الطين ، قلت : طنه ، قال : فهو ما ذا ؟ قلت : مطين ، قال : هذه أحسن من الأولى . ثمّ صلّى بنا العشاء وقال لخادمه : تبلغ معه إلى الفضل بن سهل ، قال : فلمّا قرأ الفضل القرطاس قال : يا نضر إنّ أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم فما كان السبب فيه ؟ فأخبرته ولم أكذبه ، فقال : لحّنت أمير المؤمنين ؟ فقلت : كلّا إنّما لحن هشيم وكان لحّانة فتبع أمير المؤمنين لفظه ، وقد تُتبع ألفاظ الفقهاء ورواة الآثار ، ثمّ أمر لي بثلاثين ألف درهم ، فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد منّي « 1 » . أقول : النضر - كفلس - ابن شميل مصغّراً أبو الحسن المازني النحوي البصري ، كان عالماً بفنون من العلم ، صاحب غريب وفقه وشعر ومعرفة بأيّام العرب ورواية الحديث ، وهو من أصحاب الخليل بن أحمد رحمه الله . يحكى أنّه ذكره أبو عبيدة في كتاب مثالب أهل البصرة فقال : ضاقت المعيشة على النضر بن شميل البصري بالبصرة فخرج يريد خراسان ، فشيّعه من أهل البصرة نحو من ثلاثة آلاف رجل ما فيهم إلّا محدّث أو نحوي أو لغوي أو عروضي أو أخباري ، فلمّا صار بالمربد جلس ، وقال : يا أهل البصرة يعزّ عليَّ فراقكم وو اللَّه لو وجدت كلّ يوم كيلجة باقلى ما فارقتكم ، قال : فلم يكن فيهم أحد يتكلّف ذلك ، فسار حتّى وصل خراسان ، فأفاد بها مالًا
--> ( 1 ) وفيات الأعيان 5 : 34 ، الرقم 735